طلبة الهندسة المعمارية المستوى الثالث بالجامعة يستكشفون أسرار الحفاظ على مدينة ثلاء التاريخية.
في إطار توجهها نحو تعزيز التعلم التطبيقي وربط المعرفة الأكاديمية بالممارسة الميدانية، نظم قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة وتكنولوجيا المعلومات في الجامعة الإماراتية الدولية زيارة علمية لطلبة المستوى الثالث إلى مدينة ثلاء التاريخية، ضمن متطلبات مقرر «الحفاظ على المباني التاريخية»، وذلك برفقة الدكتور عبدالرقيب طاهر الشيباني.
ومثّلت الزيارة تجربة تعليمية ميدانية أتاحت للطلبة الانتقال من دراسة مفاهيم الحفاظ والترميم داخل قاعات الدراسة إلى قراءة العمارة التاريخية على أرض الواقع، والتعرف عن قرب على الخصائص المعمارية والعمرانية التي جعلت من مدينة ثلاء واحدة من أبرز المدن التاريخية ذات القيمة التراثية في اليمن.
وخلال النزول الميداني، تعرّف الطلبة على عدد من استراتيجيات الحفاظ المعماري والترميم الدقيق، ولا سيما ما يتعلق بالواجهات الحجرية البرجية التي تتميز بها المدينة، إلى جانب دراسة أساليب صيانة وحماية الأسوار الدفاعية والأبواب التاريخية التي تتعرض لعوامل التعرية والتدهور مع مرور الزمن.
كما تناولت الزيارة خيارات إعادة الاستخدام والتأهيل للمباني السكنية التاريخية المهجورة، بما يسهم في الحفاظ على وظيفتها وقيمتها المعمارية، مع التأكيد على أهمية تجنب التدخلات غير المدروسة التي قد تفقد المبنى جزءاً من أصالته وهويته التاريخية.
وفي جانب مهم من الزيارة، جرى تسليط الضوء على أخطاء التدخل المعماري في المباني التاريخية، ومن أبرزها استخدام مواد وتقنيات حديثة لا تتوافق مع طبيعة البناء التقليدي، واستبدال مادة «القضاض» التقليدية بالمونة الأسمنتية في أعمال ترميم الفواصل، إضافة إلى الترميمات العشوائية أو القائمة على التخمين، والتي قد تتعارض مع الطابع والنمط الفريد للعمارة الحجرية التي تتميز بها ثلاء.
كما تعرّف الطلبة على أساليب التعامل الواعي مع التراث المعماري عند الحاجة إلى إضافة فراغات أو خدمات جديدة داخل المعالم التاريخية، بما يضمن تحقيق المتطلبات الوظيفية الحديثة دون الإخلال بروح النسيج المعماري الأصلي أو تشويه هويته البصرية.
وشملت الزيارة كذلك التعرف على أساليب التدعيم والترسيخ الإنشائي باعتبارها حلولاً اضطرارية يتم اللجوء إليها في الحالات الحرجة لمعالجة التصدعات ومظاهر الميل في بعض المباني الشاهقة، بما يضمن استقرارها ويحافظ على بقائها، إلى جانب التعرف على أساسيات التشخيص المعماري للمباني التاريخية ورصد المشكلات التي تهدد سلامتها، وفي مقدمتها تسرب المياه وتأثيراته على الأساسات والمنشآت المائية القديمة.
ولم تقتصر التجربة على دراسة المباني منفردة، بل امتدت إلى قراءة النسيج العمراني التاريخي لمدينة ثلاء، حيث تعرّف الطلبة على أبرز معالم المنطقة المحيطة بالمركز التاريخي، ومنها السوق القديم والممرات الحجرية المرصوفة التي تربط بين أحياء المدينة، وما تحمله من قيم عمرانية تعكس تطور المدينة وتكامل مكوناتها المعمارية.
كما وقف الطلبة على مظاهر التشويه البصري التي تواجه المدن التاريخية نتيجة إدخال عناصر حديثة ودخيلة على المشهد العمراني، كالتوصيلات والتمديدات العشوائية والنوافذ المعدنية وغيرها من التدخلات التي قد تؤثر في القيمة التراثية والبصرية للمباني التاريخية، وتضعف من خصوصية بصمتها المعمارية.
وتأتي هذه الزيارة ضمن جهود الجامعة الإماراتية الدولية في تطوير تجربة تعليمية تتجاوز حدود المعرفة النظرية، وتسهم في إعداد مهندس معماري يمتلك القدرة على الملاحظة والتحليل والتشخيص واتخاذ القرار المهني، ويدرك في الوقت ذاته مسؤوليته تجاه حماية الموروث المعماري والحضاري اليمني.
وتؤكد الزيارة أن دراسة العمارة التاريخية لا تقتصر على التعرف على الماضي، بل تمثل مدخلاً لفهم كيفية حماية الهوية العمرانية وصناعة مستقبل معماري يحترم ذاكرة المكان، بما يعزز وعي الطلبة بدورهم المستقبلي في الحفاظ على المدن والمباني التاريخية للأجيال القادمة.